Search

كيف أصبح الكتاب في عصر الاستهلاك: سلعة مؤجلة لدى المواطن العربي ١

Posted on January 27, 2014 by Tadween Editors | 0 comments
سامي أحمد

1 ـ من "المطبعة" و"مكتبة البيع" إلى "دار النشر"
لعبت بدايات الطباعة وشروط تطورها في منطقة الشرق العربي دوراً أساسياً في بلورة الخصائص الراهنة لمحيط النشر وسوق الكتاب العربي، وأسهمت في تحديد علاقة القارئ العربي بالكتاب وبظاهرة القراءة. ولم تدخل تقنية الطباعة بالحرف العربي إلى الشرق العربي إلا مع بداية القرن الثامن عشر، وتم ذلك بواسطة البعثتين البروتستانتية والكاثوليكية في لبنان. فقد تأسست "المطبعة الأمريكية" عام 1834، ونشرت القاموس العربي "محيط المحيط" و"دائرة المعارف" في ستة أجزاء لبطرس البستاني. وتأسست "المطبعة الكاثوليكي" عام 1846، ونشرت "القاموس الفرنسي العربي" الذي وضعه بول هوري عام 1856، و"قاموس المنجد" الذي وضعه لويس معلوف، و"أنطولوجية الأدب العربي"، كما نشرت "مجلة الشرق" لمؤسسها لويس شيخو. أما في مصر فقد أنشأ أحمد البابي الحلبي "المطبعة الميمنية" سنة 1859، ثم انقسمت فيما بعد إلى مؤسستين طباعيتين مستقلتين. وفي عام 1870 أسس إبراهيم المويلحي "مطبعة المعارف" ، وظهرت أيضاً في هذا العام "المطبعة الأهلية القبطية". وفي الفجالة انشأ كلٌّ من جورجي زيدان ونجيب متري "مطبعة التأليف" عام 1890، لينفصلا بعدئذ. واستقل جورجي زيدان لوحده بالمطبعة باسم "مطبعة الهلال" وأنشأ نجيب متري "مطبعة المعارف".
إن تأخير دخول تقنية الطباعة بالحرف العربي إلى الشرق العربي حتى بداية القرن الثامن عشر (أي بعد قرنين ونصف القرن من تاريخ ظهورها في أوروبا) يعود إلى سببين أساسيين، الأول ديني يرتبط بتخوف رجال الدين المسلمين من تحريف القرآن عبر استنساخه آلياً، والثاني اقتصادي يتمثل باعتراض جمعية الناسخين في اسطنبول على التقنية الجديدة التي ستهدد عملهم بالانقراض. وهكذا فإن أول مدينتين عربيتين ظهر فيهما أول نشاط نشر وطباعة هما بيروت ودمشق، ويعود ذلك إلى تمتعهما بحرية سياسية واقتصادية نسبية مقارنة ببقية المدن العربية الأخرى. ولقد انعكست الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية الكبرى في النصف الأول من القرن العشرين على تنشيط حركة التأليف وظهور صفوة من الكتاب والمفكرين في العالم العربي، مما أسهم بتطوير حركة النشر وازدياد عدد القراء. فإلى جانب أحداث الحربين العالميتين الأولى الثانية فقد انتشرت حركة التعليم بشكل واسع، وازدهرت الصحافة العربية مع ازدياد أعداد المتعلمين وانتشار الحركات السياسية الوطنية. ترك كل ذلك تأثيره على الأوضاع السياسية والفكرية في المجتمعات العربية، وبشكل خاص على تطور حركة النشر والطباعة، فانتشرت المطابع وتزايد عدد مكتبات البيع التي تحولت إلى النشر.     
 لم تتغير الصورة كثيراً في الأزمنة الحديثة بعد تاريخ طويل من حركة النشر والطباعة في العالم العربي، فلا زال الكيان الاقتصادي يعتمد بشكل أساسي على أصحاب المطابع الذين ينشرون الكتب لحسابهم الخاص أو لحساب المؤلفين، مع دخول مالكي مكتبات بيع الكتب إلى التزام بالنشر والطباعة، وذلك إلى جانب الناشرين المتخصصين. والباحث في ظروف تحول مكتبات بيع الكتب إلى النشر يجد أن ما يزيد على تسعين بالمائة من عددها الحالي قد أنشأه أفراد، كانوا يعملون في مهنة بيع الكتب لدى أصحابها، وقد تمرسوا في أعمالها، واكتسبوا أسرار المهنة، ثم هالهم ضآلة ما يتقاضونه من أجر بالمقارنة مع مالك المتجر، فآثروا أن يكونوا هم أصحاب مكتبات خاصة بهم تتحول إلى النشر. وقد ساعدهم في ذلك خبرتهم في اقتناص المؤلف الذين اعتادوا التعامل معه، حيث سهل ذلك تحوله من ناشر إلى آخر بسهولة في ظروف عدم الرضى بالمعاملة الاقتصادية واحترام حقوقه. وينطبق هذا أيضاً على عمال المطابع الذين يتحينون الفرصة المناسبة لإنشاء دور نشرهم انطلاقاً من معرفتهم ببعض أسباب المهنة. وبهذه الطريقة فإن أغلب دور النشر القائمة الآن في العالم العربي قد قامت على نفس المعطيات والطريقة ذاتها.
إن النشر كمهنة لها أخلاقيتها ودورها الاجتماعي والفكري بحاجة إلى تحديد علمي وعملي بسبب تكاثر المتطفلين عليها، فهناك مطابع كثيرة في المدن العربية تُصنف تحت اسم دور النشر ومكتبات توزيع تحولت إلى النشر، مما يسئ بالنتيجة إلى الناشر الحقيقي، وتحويله أحياناً إلى مجرد وسيط. وبالارتباط مع مفهوم الكتاب كأداة اتصال اجتماعي فإن مفهوم كلمة "نشر" هو أن تعمم، وتنشر بين أفراد المجتمع بالكلمات والصور الأفكار التي أنتجتها العقول المبدعة، والتي صاغها المحررون، والتي جهز الطابعون نسخها. فإذا ما انطبق هذا المفهوم على الكتب، فهو يعني سلسلة متتابعة ضخمة من ضروب النشاط الفكري والعملي، والتي لا يمكن لحلقة واحدة منها بمفردها أن تُسمى نشراً. ولا يكتمل ذلك فقط بتحول المخطوط إلى كتاب مطبوع، وإنما أيضاً بتوزيعه  في أسواقه، والتي تكتمل بها عملية النشر. أما القيام بخدمة تحريرية فلا يُعدّ نشراً، ومثله خدمات الطباعة والتجليد أو تنمية المبيعات فكل واحدة منفردة منها لا تُعد نشراً. إن مفهوم "نشر الكتاب" يتضمن جميع هذه الإجراءات في عملية متكاملة الجوانب، سواء قامت بها مؤسسة واحدة أو عدة مؤسسات، وهو بالنتيجة يعني "جميع الإجراءات الفكرية والفنية والعملية لاختيار موضوع الكتاب وترتيب إصداره وتنمية توزيعه . وتتطلب دار النشر في هذه الشروط إنشاء مؤسسة عصرية يتم فيها الالتقاء بالمؤلفين الذين يرغبون بنشر كتبهم، وتضم جهازاً متكاملاً من المحررين والمراجعين الفنيين والمتخصصين في الدعاية والإعلان والعلاقات العامة. وينتهي عمل الناشر بإتمام إعداد المخطوطة إعداداً سليماً، وإخراج الكتاب إخراجاً متقناً، ومحاسبة أصحاب الحقوق حساباً عادلاً، ومن ثم تسليم الكتاب مطبوعاً إلى مكتبات البيع والتوزيع. ويجب أن تتأطر هذه العمليات كلها برؤية ثقافية فكرية للناشر، تجعل من كتبه الخاصة به تعبر عن مشروع ثقافي خاص بدار نشره، يسهم من خلالها بتنمية مجتمعه في مختلف المجالات. وهذا الشرط الأخير هو الذي يغفله المتطفلون على مهنة النشر، الذين لا يوجد فرق كبير بين أن يكونوا ناشرين أو بائعي ملابس، فالمهم بالنسبة لهم هو ما يدر مالاً أكثر.    
2 ـ  المؤثرات السياسية والفكرية التاريخية في نشوء حركة النشر العربية وتطورها
مع انتهاء النصف الأول من القرن العشرين انعكست الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية على مهنة النشر والطباعة، وبخاصة ارتفاع أسعار الورق ومواد الطباعة، وارتفعت أصوات المؤلفين بالشكوى من استغلال الناشر لحقوقهم. لكن الأهم في التطورات الجديدة التي ستؤثر في مجال النشر والطباعة هو أن المسؤولين في الدول العربية بدأوا يدركون أهمية هذا القطاع وضرورة السيطرة عليه. فحتى هذه الفترة كان التنافس القوي في مجال النشر قائماً أساساً ما بين بيروت والقاهرة، إلا أن قيام ثورة يوليو في مصر سنة 1952 وسيطرتها على قطاع الطباعة والنشر (كأحد مظاهر سيطرتها على الحياة السياسية والفكرية) أبعد القاهرة عن المنافسة.
 تفوقت بيروت في مجال النشر والطباعة لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، وذلك بسبب مرونة النظام السياسي الليبرالي اللبناني فيها، إضافة إلى أنها أضحت العاصمة الوحيدة في العالم العربي لإمكانية التنافس بين التيارات السياسية العربية بكافة تلاوينها وتدرجاتها السياسية، والناهضة بكثافة في تلك الفترة، من الحركات القومية والماركسية. ففي صراعها على الوصول إلى السلطة في بلدانها وبسط نفوذها على المنطقة العربية، سارعت هذه الحركات إلى تأسيس وتمويل دور نشر انطلاقاً من منطق كونها أحزاباً ومنظمات سياسية ليس إلا، يهمها بالدرجة الأولى نشر كتبها السياسية والإيديولوجية الدعائية. وقد ساعدها في ذلك أنها كانت موطن تأسيس أحزاب وجمعيات سياسية عربية وإقليمية، معارضة لأنظمة الحكم في بلدانها، إضافة إلى تكدس رؤوس أموال عربية فيها. وهذا يعني أن بيروت لم تكن مدينة إبداع، بقدر ما مثلت من مناخ سياسي منفتح لدخول العقول العربية، وخاصةً الهاربة من أنظمة بلدانها القمعية والديكتاتورية، وذلك لممارسة نشاطاتها السياسية والفكرية. وستتطور الأوضاع العامة في بيروت بعد هزيمة 1967، والتي قدمت على أثرها إلى هذه المدينة مختلف المنظمات الفلسطينية وأحزاب اليسار العربي الراديكالي، لتجعلها مقراً رئيسياً لنشاطاتها. وستؤكد بيروت ميزتها الريادية في مجال النشر على القاهرة بالأدوار الثقافية والفكرية التي لعبتْها في هذه الفترة، ففيها ستصدر على سبيل المثال مجلتا " شعر" و "الآداب"، اللتان لعبتا دوراً رائداً على مستوى الإبداع، وفيما بعد مجلة "مواقف" التي أسسها أدونيس بعد هزيمة 1967، ومنعت وصودرت في أغلب البلدان العربية بسبب تعريتها السياسية والفكرية والتاريخية للواقع العربي. وعلى المستويات الفكرية والأدبية ستتطور الرواية والقصة في تعبيراتهما الأدبية عن المد القومي واليساري بشكل عام، وذلك إلى جانب الشعر.  
وبدءاً من ثمانينيات القرن الماضي مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وظهور بدايات إخفاق " المشاريع الثورية " في الواقع العربي، أخذ نشاط دور النشر اليسارية في بيروت بالانحسار شيئاً فشيئاً، ولكن بالمقابل بدأت تتأسس دور نشر ذات مشاريع ثقافية مستقلة. ولكن الأهم هو بدء ظهور دور النشر الدينية بالارتباط مع صعود المد الديني في العالم العربي بأشكاله التنظيمية والشعبوية المختلفة. وستتراجع أولوية حركة النشر في بيروت والقاهرة منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب الانفتاح الرسمي على مؤسسات النشر في القطاع الخاص في دول عربية، مثل سورية والأردن والسعودية ودول المغرب العربي، وهو ما سينشّط حركة النشر وينقل بعضاً من ثقلها خارج بيروت والقاهرة. وبالرغم من هذا التطور في حركة النشر إلا أنه مازالت هناك مشاكل عامة كبرى تعاني منها، اقتصادية ومهنية وسياسية، وتأتي على رأسها مشكلة الرقابة، التي تشكل الحاجز الأكبر على حرية الفكر والتعبير، وبشكل خاص على ترويج الكتاب. ولذلك يلجأ بعض الناشرين إلى بيروت بشكل خاص لنشر كتبهم التي تُمنع في بلدانهم. والأمثلة كثيرة على هذا الهروب من الرقابة الرسمية، يقابله مصادرات لعناوين كثيرة في معارض الكتاب في العالم العربي، حتى في تلك المعارض التي يُظن بأنه لا تخضع للرقابة، مثل بيروت والقاهرة.
3 ـ الأزمة الثقافية والمعرفية لاتحاد الناشرين العرب
مع ازدياد الأزمات المختلفة أمام الناشر العربي، من ارتفاع أسعار الورق ومواد الطباعة ارتفاعاً باهظاً ومشاكل الرقابة الرسمية وكثرة الخلافات بين الناشرين والمؤلفين، أحس الناشرون بضرورة التجمع مهنياً لمواجهة هذه الأزمات الدائمة والمتكررة. ولكن مع غياب تحديد علمي واضح لمهنة الناشر فإن مفهوم النشر مازال متأثراً بفكرة الالتزام بالمهنة من خلال تاريخها التقليدي الموروث، ولذلك سمي الاتحاد الأول الذي أنشأ في القاهرة سنة1951 "الاتحاد المصري العام لدور النشر والمكتبات"، فكان لا بد من الفصل بين النشر كمهنة ومكتبة البيع كعمل تجاري.
ومنذ الاجتماع الأول لاتحاد الناشرين وأصحاب مكتبات البيع والخلاف على أشده، ولم يكن حديث الأعضاء يدور حول تحديد مفاهيم المهنة والتطلع إلى ترقية شؤونها الفنية والتجارية، بقدر ما كان حديث تحزّب ومنافسة... أيهما يكون الرئيس وأيهما يكون الوكيل؟ إذ إن استغلال المناصب يُكسب أصحابها سمعة تسوق إليهم المزيد من المؤلفين والعملاء، ومراكز قيادية ذات بريق في مجال العمل التجاري بمكن الاستفادة منه، فلماذا لا ينصرف كل عضو لتأمين مصالحه ولو على حساب المهنة ذاتها؟ وانتهى الوضع في الاجتماع الأول إلى الأخذ بمبدأ الأقدمية المطلقة، والذي تم تفسيره في العام التالي إلى التحول بأن تصبح المراكز القيادية من نصيب أصحاب الحزب الأكبر. ومع قيام ثورة يوليو 1952 توقف العمل بهذا الاتحاد حتى بداية 1961. وفي هذا العام تعرض الناشرون في القاهرة لأخطر هجوم في مجلس الأمة، والذي تناول دور النشر واستغلالها للمؤلف، وجوانب التأليف والإنتاج، وتصدير الكتب واستيرادها. وقدمت دور النشر وقتها مذكرة شاملة من قبل مالكيها، لا باسم اتحاد الناشرين المصريين.
إذاً نحن في نفس الأزمة التي طرحت في العام 1961.


قراءة الجزء ٢ هنا
Tags: Publishing
Previous Next

Comments

 

Leave a reply

This blog is moderated, your comment will need to be approved before it is shown.

Scroll to top