Search

انهيار المنظومة التعليمية السورية

Posted on October 03, 2015 by Tadween Editors | 0 comments

انهيار المنظومة التعليمية السورية*

حسين العودات

كانت سهام النقد، قبل الانتفاضة، توجه إلى نظام التعليم في سوريا، وتتهمه بأنه نظام لمحو الأمية فقط، بعيد عن سد حاجة التنمية، ونشر الوعي، وتأكيد الهوية الوطنية، وتحقيق انسجام النسيج الاجتماعي، بسبب عدم وضع التعليم على رأس الأولويات، وقلة المخصصات المالية وغير المالية، وزيادة عدد التلاميذ والطلاب بمن فيهم الطلاب الجامعيون زيادة كبيرة (كان يدخل المدارس السورية سنوياً نحو نصف مليون تلميذ جديد)، وعدم استطاعة الطاقات السورية استيعابهم. وكانت التهمة الرئيسة أن التعليم السوري يهتم بالكم على حساب الكيف. ولذلك كنت تجد في الصف الواحد أكثر من ستين تلميذاً في مدارس التعليم الأساسي، ويتشارك مئات الطلاب الجامعيين مدرجاً جامعياً واحداً. ولم يكن بإمكان المدارس أو الجامعات الاهتمام بمضمون التعليم وتطويره أو أهداف التربية الواردة في الدستور والقوانين. كان هذا كله قبل الانتفاضة، حيث كان المجتمع السوري شبه مستقر، وكان دخل الدولة يكفي لسداد بعض الاحتياجات. وقد كانت الأبنية المدرسية تشيّد في كل مكان لتسد قسماً كبير من الحاجة، وكذلك لتأمين أعداد من المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، التي جهدت سلطات التعليم العالي خلال ربع القرن الأخير لإرسالهم للدراسة والتدريب في الدول الأوروبية، خاصة في دول أوروبا الشرقية.

بعد قيام الانتفاضة، واستفحال عنف النظام وتدميره القرى والأحياء والمدن، دمر بطريقه خمسة آلاف مدرسة كانت تضم عشرات الآلاف من التلاميذ، وقُتل آلاف المعلمين والمدرسين، وهاجر آلاف آخرون منهم إلى خارج البلاد، فضلاً عن الذين نزحوا من مناطقهم إلى مناطق أكثر أمناً. وإذا أضفنا إلى ذلك قلة موارد الدولة وتراجع موازنة التعليم في هذا الحال الاقتصادي المتدهور، فإن حال التعليم بعد هذا أصبح كارثياً. وتقول إحصائيات المنظمات الدولية المختصة أن أكثر من مليونين ونصف المليون من التلاميذ هم خارج المدارس، منهم مليونا مشرد أو يمارسون التسول، ويتدربون على السرقة والنشل، ومعظمهم لم تمح بعد أميته. وفي واقع الحال، لم تعد أحلام السوريين تتمركز حول تطوير التعليم ليؤدي وظائفه التعليمية والتربوية والوطنية كاملة، بل تتلخص هذه الأحلام بوجود مدارس تؤوي تلاميذ سوريا حتى لو لم تقم بواجبها التعليمي الكامل، بل حتى لو كانت زرائب للتلاميذ. ويُشار هنا إلى أمرين مهمين، الأول هو مدى استمرار تعليم العلوم بسوية معقولة في الجامعات، والثاني هو الصيغة الوطنية الموحدة لمخرجات التعليم في سوريا.

في ما يتعلق بالمستوى العلمي المعقول في الجامعات السورية، لم يعد في الحقيقة موجوداً. فإن كانت الجامعات قبل الانتفاضة ما هي إلا مدارس كبيرة، فإنها الآن لا تستحق حتى مثل هذه التسمية. فقد تلاشت المخابر والتجارب والدراسات الجادة سواء في العلوم البحتة أم في العلوم الإنسانية والبحثية والتطبيقية، ولم تعد الجامعات ومراكز البحوث لا كما كانت ولا كما هو مطلوب. وإن كان مطلوباً من الطالب الجامعي قبل الانتفاضة أن يطلع على ما في كتابه فقط ويُمتحن فيه كحال الطالب في المراحل الأساسية من التعليم، وإن كان من غير المطلوب منه البحث في مراجع وكتب أخرى، فإنه الآن ليس مطلوباً منه، لينتقل إلى صف أعلى، إلا بعض المعرفة التي يستطيع استخدامها في الامتحان التقليدي الذي يخضع له الطلاب. هكذا، لا يتخرج الطبيب طبيباً ولا المهندس مهندساً ولا المؤرخ مؤرخاً من الجامعات السورية. وسوف تظهر المشكلة عقبة حقيقية أمام التنمية في سوريا بعد سنوات، عندما يتولى هؤلاء المتخرجون دفة التنمية وتطوير البلاد، وبالتالي سوف يزداد تدهور الإمكانيات العلمية والتطبيقية وعملية التنمية في سوريا تدهوراً خطيراً.

الأمر الثاني أن الأساس في الدولة الحديثة هو مرجعية المواطنة وتشكيل وعي لدى الناس يعتبر هذه المرجعية أم المرجعيات وأهمها، وبالتالي يراها قادرة على احتواء المرجعيات الثانوية كالطائفية والإثنية والإقليمية وغيرها، وإيجاد نسيج اجتماعي وطني منسجم في البلاد، وهذا ما عجز عن تحقيقه النهج التربوي قبل الانتفاضة وما يعجز عنه الآن. لذلك رأينا هشاشة المرجعية الوطنية والانسجام الاجتماعي في سوريا بعد الانتفاضة وسرعة بروز المرجعيات الثانوية واحتلالها أدواراً مهمة في الحياة الوطنية. وبعد انتشار السموم الطائفية والتناقضات الإقليمية والصراعات التي نخرت مفاهيم المواطنة وقسمت البلاد، صار من الصعب على العملية التربوية (الغائبة تقريباً) أن تقوم بالدور التربوي وبتعميق مفهوم المواطنة. وزاد الطين بلة أن المؤسسات الثقافية الأخرى كالمراكز الثقافية والصحف والمجلات والمراكز الرياضية ومنظمات المجتمع المدني الاجتماعية والإنسانية تراجعت إلى الحد الأقصى.

وقد عقَّد المسألة وجود بضعة ملايين من السوريين خارج بلادهم، إما في دول الجوار أو في الدول الأوروبية. ولا شك أن هؤلاء لا يتلقون لا التربية ولا التعليم بسوية واحدة ولا يتشكل لديهم وعي واحد لقضاياهم الاجتماعية والوطنية. بل يخضعون لمؤثرات عديدة متناقضة تخدم سياسة البلدان المتواجدين فيها أكثر مما تخدم العملية التعليمية والوطنية للسوريين. وعلى ذلك، وحتى لو حدثت تسوية للأزمة السورية في القريب العاجل وعاد اللاجئون والنازحون إلى قراهم وأحيائهم واستكمل بناء المدارس وهيئات التعليم، فسيكون المجتمع السوري مجتمعاً يضم تناقضات عديدة بعدد مصادر التوجيه وتشكيل الوعي التي خضع لها، ولن يعود ذلك المجتمع المنسجم ربما لجيلين قادمين، ولعل هذه من النتائج السلبية غير المرئية للصراع القائم في سوريا.

  

 * نُشر هذا المقال في جريدة “السفير” بتاريخ 3\10\2015، ونعيد نشره على “تدوين” بموجب اتفاق شراكة مع الجريدة نفسها.

Previous Next

Comments

 

Leave a reply

This blog is moderated, your comment will need to be approved before it is shown.

Scroll to top