Log-in
Search

الترجمة إلى العربية بين نقص القواميس وإملاءات السوق

Posted on August 06, 2019 by Tadween Editors | 0 comments

أسامة إسبر

 

لا أحد يستطيع أن يشكك بأهمية اللغة العربية وقدرتها على استقبال النصوص الأدبية والفلسفية المؤلفة في لغات أخرى. المشكلة لا تكمن في اللغة بقدر ما تكمن في القدرة على استخدامها وتطويعها. حين يكون المترجم متقناً لهذه اللغة وعارفاً بأسرارها ومتمكناً من لغة الآخر فإنه سيمتلك القدرة على جعل اللغة العربية تتجلى في أبهى صورها فاتحة آفاق الكلام والحضور لما هو مدوّن في لغات أخرى. وإذا كانت هناك مشكلة، فهي تتجلى في تعريب العلوم والقدرة على مواكبتها من خلال الترجمة، فهناك فوضى في المصطلحات، ونقص في القواميس يثير الريبة. فقد واجه كثير من المترجمين العرب هذه المشكلة أثناء ترجمتهم لكتب علمية تواكب التطورات والاكتشافات في ميدان العلوم وآخر ما توصل إليه العلماء منذ بدء الحركة العلمية في الغرب حتى عصرنا الراهن.  فالمعاجم الموحدة  الصادرة عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (مكتب تنسيق التعريب) كالمعجم الموحّد لمصطلحات الجيولوجيا ومعجم الحيوان ومعجم المعلوماتية والكيمياء وغيرها معاجم محدودة وغير كافية ولا تخدم المترجم المتخصص. وليست هذه المعاجم هي القاصرة فحسب، وإنما معاجم كثيرة في مختلف التخصصات العلمية لا تغطي مصطلحات الاختصاصات المطلوبة وتترك المترجم في حيرة من أمره. أضف إلى ذلك أن الروح العلمية شبه منعدمة في الوطن العربي وأن العلماء العرب البارزين يتخرجون من جامعات الغرب ويعملون في مؤسساته، ولا توجد مؤسسات لاحتضانهم في أوطانهم. ولا يوجد مجلة عربية واحدة متخصصة بالعلم، أو قاموس مصطلحات علمية كاف وواف، فكيف يمكن الحديث في ظل وضع كهذا عن الترجمة العلمية التي يحتاج العاملون في مجالها إلى التحرر من الإكليروس اللغوي والدخول في أفق تطويع اللغة كي تنقل اكتشافات العلماء ونظرياتهم؟

بالنسبة للترجمة الأدبية، أعتقد أن ترجمة نصوص إبداعية جديدة إلى اللغة العربية تلعب دوراً تحريضياً في التأثير على لغة الكتابة عندنا. فالترجمة في جوهرها هي خلق لهذا التحريض، خاصة إذا كان الآخر قادراً على إغناء الذات، وكانت النصوص المنقولة قادرة على خلق فسحة جديدة تخترق حدود التقاليد والأفكار الضيّقة. ضمن هذا السياق نرى أن القفزات الشعرية والروائية والقصصية الكبرى في الأدب العربي ناجمة عن هذا التحريض وهو تحريض يدفع الكتاب والشعراء إلى تشرّب التقنيات والحساسيات  والأساليب والرؤى المنقولة من أجل ترسيخ تقنياتهم وحساسياتهم وأساليبهم ورؤيتهم الخاصة في إطار سياقهم الثقافي والاجتماعي. وإذا ما قُرئ النتاج الأدبي العربي في ضوء تأثره بالآخر سنكتشف هنا الأهمية الكبرى للترجمة. على سبيل المثال هناك شعراء وكتاب عرب تأثروا بالترجمات العربية لإليوت وسان جون بيرس ولوركا وبابلو نيرودا ويانيس ريتسوس، وتشيخوف ودستويفسكي وويتمان وكافكا وجويس وماركيز والكتاب الآخرين لأدب الواقعية السحرية. إن الإبداع هو نتاج التلاقح بين الثقافات وفي هذا الإطار تلعب الترجمة دورها المهم في اختراق الحدود وتقريب الثقافات وبناء جسور التواصل والعناق بين الذات والآخر.

لكن الترجمة إلى العربية لا تسير وفق خطة موضوعة مسبقاً وإنما هي انتقائية وتسيّرها آلية السوق والصحافة، ولا تندرج (باستثناء تجارب معدودة) في سياق الاطلاع العميق على التطوّر المعرفي الذي صنع حضارة الآخر. وهنا يتجلّى تقصيرنا. إن أمهات الكتب الفلسفية والنقدية، وخاصة الكتب التي لعبت دوراً كبيراً في صناعة التنوير وفي خلق الأسس الثقافية والعلمية للحضارة الحديثة، والتي تعلّم التحليل والنقد وتفكيك المسبّقات والمقدّسات لم تُترجم بشكل منظّم ومدروس، أي لم ترتبط بخطة هادفة هي نتاج دافع البحث عن حلول للمشكلات التي تكبّل المجتمع العربي. ورغم الجهود التي بُذلت فإن حركة الترجمة لدينا ما تزال محدودة وضعيفة إذا ما قورنت بحركة الترجمة في بلدان أخرى.

واليوم نجد أننا نتبنى منظورات الآخرين عنا وعن أوضاعنا في الكتب التي نترجمها عن اللغات الأجنبية حول موضوعات نبدو غير قادرين على تأمّلها وتحليلها، يؤلفها الآخر، وأعني بذلك الكتب السياسية التي تتحدث عن أحداث تجري في بلداننا. وليس هناك صحيفة عربية أو مؤسسة عربية أو جامعة عربية تفكّر بتمويل صحفي أو باحث أو مؤلف كي يتفرّغ لتحليل أو وصف الأحداث الكبرى التي تعصف بمنطقتنا، ولهذا نترجم ما يكتبه الصحفيون الغربيون، ومعظمهم يمثلون صحافة الاتجاه السائد. وإذا ما دققنا في  إحصائيات الناشرين حول الكتب العربية الأفضل مبيعاً لما وجدنا بينها كتاباً فلسفياً أو نقدياً الهدف من نشره تعميق الوعي العربي ووضع الأسس لثقافة التنوير في محيط تهيمن فيه النظرة الدينية إلى العالم.

وفي الأدب نلهث وراء الروايات الحاصلة على جوائز والتي تروّج لها الصحافة أو تحقق أعلى المبيعات بحسب الصحف الغربية، دون أن نبحث عن روايات أخرى قد تكون أكثر أهمية. هذه التوجّهات أسّست جمهوراً جاهزاً لتلقّي كلّ ما يُروّج له بعيداً عن روح التساؤل والبحث والذوق الرفيع.

هناك عوامل كثيرة تحوّل المادة المترجمة إلى سلعة في سوق الاستهلاك التي تروّج لكتب هي امتداد للطعام والشراب، ولا تشكّل غذاء للعقل. ولكن، هناك أيضاً مترجمين أفراداً، وناشرين محترمين، (ولو كان عددهم قليلاً) يعملون على تقديم الكتب الأكثر أهمية لدى الآخر، والأكثر قدرة على تشكيل عقل قادر على الفهم والنقد والتحليل.

ولا تنفصل مشاكل الترجمة في  العالم العربي عن المشاكل الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفيما يحتاج العمل الثقافي والإبداعي إلى استقرار، بمعنى بيئة مستقرة مستعدة للتلقي أو للعمل الثقافي، نجد أن مفهوم القارئ المستقر غير متوفر في بلداننا، فابن وطننا ضحية الحروب والهجرة والعنف والإرهاب والسياسات التعسفية والقمعية، همومه كثيرة وتتمحور حياته حول تأمين لقمة العيش، ويعاني من انقطاع الكهرباء والماء والغاز والدخل الذي يمكّنه من أن يعيش حياة كريمة ولا تتوفر المكتبات العامة في كثير من مدنه وقراه فكيف نطالبه بالقراءة، وهو لا يستطيع أن يجلس على الكرسي كي  يركز على ما يمنحه له كتاب مترجم أو غير مترجم؟ أما الحكومات العربية فلا تهمها الترجمة سوى على المستوى الدعائي (بالرغم من وجود أشخاص في الحكومات يمولون مشاريع ومؤسسات تمول مشاريع ولكن هناك تفاوتاً كبيراً في ما يحصل عليه المترجم ويحفزه على العمل.). وكما لا يعيش الكاتب العربي من ريع كتبه، لا يعيش المترجم أيضاً، فأجورالترجمة زهيدة إلى حد كبير لدى معظم دور النشر العربية، كما أن الناشر، وخاصة في سوريا لا يمتلك تقاليد قائمة على احترام حقوق الملكية الفكرية، فمعظم الناشرين يحضرون عقوداً قطعية، يشترون بموجبها نصاً مترجماً ويستولون عليه دون شراء حقوقه من الآخر الأجنبي ويعاملون المترجم بالقطارة، وقد تمر سنوات قبل أن يحصل المترجمون على أجور الترجمة كاملة، وغالباً ما يغفل الناشر أن يرسل لهم نسخة كي يروا كتابهم في حلته الجديدة، كما أن سوق توزيع الكتاب العربي محدود فالناشر في سوريا يطبع بين 500 و 1000 نسخة من الكتاب في معظم الأحيان، (هذا كان قبل الحرب) وعليه أن يجوب المعارض العربية كلها، على حد قوله، كي يبيعها، مما يعني أن العزوف عن القراءة ظاهرة عربية عامة، ومقتصرة على أوساط  المثقفين، بينما الكتب التي تبيع على نطاق واسع تقوم بترويج الثقافة التقليدية. كما أن اختيار الكتب المترجمة إلى العربية يخضع لمعايير التسويق أكثر مما يخضع لقيمتها الفكرية أو الإبداعية، كما تسيطر أحياناً الرؤى الفردية الضيقة على مشاريع الترجمة الممولة، ولكن هناك استثناءات جديرة بالاحترام غير كافية لوحدها.

 لا يمكن أن تنهض الترجمة إلا على مشروع مؤسساتي يشرف عليه أشخاص يمتلكون الخبرة والثقافة والقدرة على اكتشاف الكتب المهمة لدى الآخر والتي يسهم نقلها في إحداث نوع من التأثير الإيجابي الذي يعمق رؤية الذات لنفسها ولمحيطها،  كما أن المال العربي يجب أن يكون في أيدي من يؤمنون بأن الكتاب سواء كان مترجماً أم مؤلفاً هو الطريق إلى النهضة، هذا المصطلح الذي ما تزال رفوفه شبه خالية في المكتبة العربية.

أما بالنسبة للترجمة إلى اللغات الأخرى، فهناك عوامل تلعب دوراً في ضآلة حجم الأدب العربي المترجم، فأولاً هناك اعتبارات السوق، والأحداث الكبرى التي تعصف بالمنطقة والتي تدفع الغربيين إلى إرضاء متطلبات سوقهم بكتب قابلة للتسويق والترويج، وهي مسألة تتعلق بالأساس بكيف ينظر الآخر الأوروبي أو الأميركي اللاتيني أو الأميركي الشمالي إلى الثقافة العربية. وكما نعلم، ارتبطت ترجمة الكتب العربية بما يسمى اعتبارها وثيقة أنثروبولوجية لدراسة الآخر، لكن هناك مترجمين أفراداً كسروا هذه الدائرة وبدأو يوسعون دائرة الانتقاء لنصوص عربية مهمة، لا تقل أهمية عما يُنتج في اللغات الأجنبية الأخرى.

 

 

Previous

Comments

 

Leave a reply

This blog is moderated, your comment will need to be approved before it is shown.

Scroll to top