Search

2 في نقد ظاهرة النسويّة الإسلاميّة

Posted on July 23, 2014 by Tadween Editors | 0 comments

لم يمض على إعلان حسن البنا تأسيس جماعته «الإخوان المسلمين» سنة 1928 زمناً طويلاً، حتى أُعلن في السادس والعشرين من أبريل (نيسان) سنة 1933، عن تأسيس فرع للجماعة، لكن هذه المرّة من جندر مختلف، دعي بـ قسم «الأخوات المسلمات»، وذلك في الإسماعيلية في مصر، المكان نفسه الذي تأسست فيه جماعة الإخوان، والذي يعتبر امتداداً لما كان البنا قد أسسه في الإسماعيلية (أمهات المستقبل)؛ وقد ترأس هذا القسم لأول مرة السيدة لبيبة أحمد (1951-1870s)، أو كما كانت تُلقّب بـ السيدة لبيبة هانم (٩)؛ ثم ليبدأ عملها في إطار هذا التنظيم.
تعتبر السيدة لبيبة أحمد، المرأة الأولى حقيقة في العالم الإسلامي، التي بدأت تأطير منهاج خاص بالمرأة المسلمة لنيل حقوقها؛ أو إذا شئنا الدقة أكثر: المرأة الأولى التي اختطت ما اصطُلح عليه حديثاً بـ «النسويّة الإسلاميّة»، وذلك من خلال التأكيد على مكانة المرأة من منظور إسلامي، وإعادة قراءة لها في ثنايا التراث، وتقديم بدائل نسائيّة- دينية، والتي ستنسجم مع بروز صوت الإخوان المسلمين في مصر كقوة أصولية جديدة. من هنا نفهم موافقة لبيبة الانضمام لجماعة الإخوان، والموافقة على طلب حسن البنا منها ترأس قسم الأخوات المسلمات.
وقد كان الهدف أساساً من إقامة قسم للأخوات، هو تخريج امرأة مسلمة ملتزمة بالمنهج الإسلامي، لكن بالشكل الذي خطّه لها الإخوان الذكور. انتساب المرأة للإخوان لا يعني بالطبع أنّها قد وضعت على قدم المساواة في وظائفه التي يجب أن يقوم بها؛ ذلك أنّ مكان المرأة المسلمة الأصلي والطبيعي هو «البيت»، لكن مع ذلك لا مانع من الخروج منه إذا أنهت وظائفها المنزلية. لقد أعاد حسن الهضيبي، المرشد الثاني للإخوان، صياغة وتأكيد ذلك: «المكان الطبيعي للمرأة هو البيت، لكن إذا وجدت بعد أداء واجبها، وتملك وقتاً، فإنها تستطيع استغلال جزء منه في خدمة المجتمع، لكن على شرط، بطبق حدود القانون (الفقه) الذي يحفظ لها شرفها وعفتها وكرامتها» (١٠). وعلى كل مسلمة تودّ أن تصبح عضواً في جماعة الأخوات أن تقسم: «عليَّ عهد الله وميثاقه أن أتمسك بآداب الإسلام، وأدعو إلى الفضيلة ما استطعت». وبالرغم من أنّ تأسيس هذا القسم، لم يكن قد وضع في إطار منهجي، إلا أنّ المرشد العام للإخوان، حسن البنا، قد أصدر لهنّ رسالة حاول فيها إعادة رسم للخطاب الإسلامي بما يخص مكانة المرأة في الإسلام وحقوقها فيه...الخ؛ وقد عنونها: «المرأة المسلمة» (١١). وقد أصدرت بعد ذلك جماعة الإخوان المسلمين رسالة أولى لهنّ كانت أشبه بمانيفيستو، على الأخوات المسلمات التقيّد بما جاء به. عليها أولاً أن تدرك أنها امرأة، والرجل-البعل هو القوّام عليها: هكذا تنص الرسالة: «وعليها أن تطبع نفسها منذ اللحظة الأولى على المفهوم الصادق لقوله سبحانه: «الرجال قوامون على النساء» و«للرجال عليهن درجة» (١٢).
ما تجب الإشارة إليه هنا في هذا السياق، أنّ بروز هذه الظاهرة في الربع الثاني من القرن العشرين، كان ردّة الفعل الأولى عند النساء المسلمات ضد الحداثة، وتحديداً ضد «النسويّة» العلمانية التي بدأتها هدى الشعراوي. فإذا كان ظهور الإخوان المسلمين، هو لإعادة استرجاع سؤال الدولة الإسلاميّة الذي محا معالمه كمال أتاتورك، من جهة، وكنتيجة لفشل الإصلاح الديني من جهة أخرى، فإنّ ظهور الأخوات المسلمات كان بنحو محدّد من أجل تقديم بديل إسلامي عمّا كان يروج حينها في مصر من أصوات نسويّة. وبمقدار ما كان نشوء هذه الظاهرة ضد الحداثة النسويّة، بمقدار ما كانت تعمل في الأجواء الحداثية نفسها. لهذا، كان عليها استخدام المفردات واللغة نفسها تقريباً التي تستخدمها النسويّة العلمانية، لكن، بعد إعادة قلب للمفاهيم الحداثية بما يتناسب والبارادايغم الذهني الديني؛ مثل إعادة تفسير مفهوم المساواة بين الجنسين وإعادة تعريف الحقوق، وعمل المرأة...الخ.
وفوق ذلك، كانت لبيبة من الأوائل اللواتي انتسبن للجمعيات النسويّة التي أدارتها هدى الشعراواي (ولاحقاً في سنة 1923 أسس برئاسة الشعراوي «الاتحاد النسائي المصري»)، وبالتالي كانت متأثرة جداً باللغة التي سادت النسويّة العلمانية (لقد أسست أوائل سنة العشرين «جمعية نهضة السيدات المصريات»، وصحيفة «النهضة النسائيّة»)، بحيث كانت فعلاً تسعى لتقديم خطاب نسائي إسلامي، لكن هذا الخطاب ستعيد بلورته بنحو متطرف زينب الغزالي.
بداية لم يكن هناك أيّ هدف سياسي (بالنحو المباشر للكلمة) من وراء تأسيس هذا القسم، بمقدار ما كان اجتماعيّ الطابع، وذلك من خلال تمكين نساء مسلمات من السيطرة على أمكنة داخل الهرم الاجتماعي لا يستطيع دخولها الإخوان الذكور؛ وذلك عن طريق تنشيط الدروس والمحاضرات النسائيّة في الجوامع والبيوت، وإصدار دوريات وصحف «تبشيرية»، تبشّر بدعوة الإخوان، إضافة إلى نشاطات اجتماعية أخرى مثل المستوصفات والجمعيات الخيرية وجلب التبرعات ومساعدة الفقراء والأيتام ...الخ (يقال إنّ عدد المنتسبات قد وصل إلى خمسة آلاف أخت).(١٣.) وبسبب سفر السيدة لبيبة أحمد إلى السعودية سنة 1937 وإقامتها هناك، ضعف نشاط الأخوات في مراحلهم الأولى، ولم يبرز مرة أخرى إلا في سنة 1944، لتعاد من ثمّ هيكلة القسم، بتأسيس فروع لهنّ في أماكن توزع الإخوان في مصر، وذلك بعد مشادّات بين النساء أنفسهن وصراعهن على سلطة القسم. لكن حينما صدر قرار بحلّ جماعة الإخوان سنة 1948 (١٤)، بسبب حوادث الاغتيال التي قاموا بها والاضطرابات الأمنيّة، توقف أيضاً نشاط الأخوات من الناحية التنظيمية، لكن من الناحية العملية بقي نشاطهم فاعلاً.
وقد كان لقرار حلّ الإخوان وما تلا حوادث الاغتيال التي أدت لمقتل حسن البنا المرشد والمؤسس العام للجماعة، الأثر البالغ على نشاطها. ولم تمض سنة 1951 التي سمح فيها للإخوان بممارسة نشاطاتهم التنظيمية، حتى كان للأخوات حينها أكثر من 150 شعبة في كلّ أنحاء مصر. ومرةً أخرى، ينشط الإخوان والأخوات بسبب ثورة يوليو (تموز) 1952، التي بنى فيها الإخوان والعسكر المصري علاقة كانت أشبه بشهر العسل. لكن كان لهذا الشهر أن ينتهي، بسبب زعم عبد الناصر سنة 1954 أنّ الإخوان قد خططوا لاغتياله؛ وهكذا، لتُحلّ مرة أخرى جماعة الإخوان والأخوات سنة 1954، ثمّ لتبدأ الأنشطة السريّة تأخذ مداها، ولتدخل بذلك الأخوات المسلمات مرحلةً جديدةً اعتمدت بالدرجة الأولى على بناء سلطات داخل المجتمع، سلطات موازية لسلطة الدولة، لكنها أقوى منها.
وكما هو الأمر مع لبيبة أحمد، فقد كانت هدى شعراوي محطة عبور أيضاً لزينب الغزال. لكن انضمامها لها لم يتجاوز السنة فقط، معتبرة أنّ ما تُقدّمه الشعراوي يعتبر الطريق الخاطئ بالنسبة للمرأة، وبأنّ الإسلام ضمن لها حقوقها، لا بل وصل اتهامها لنسويّة الشعراوي في المجتمع الإسلامي بأنها: «الإثم العظيم» (١٥).
الأخوات من الآن فصاعداً دخلن عهداً سياسياً (١٦)، ستقود معالمه المرأة الأصوليّة زينب الغزالي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه إذا كان سيد قطب هو المنظّر الإيديولوجي الذي أعاد خلق إيديولوجية الإسلام السياسي للإخوان الذكور، رغم عدم انتسابه لهم بنحو رسمي، فإنّ زينب الغزالي هي المنظّرة الإيديولوجية للأخوات الإناث؛ وفوق ذلك إنّها «جندية الله» و«المجاهدة زينب» كما توصف إلى الآن في الأدبيات الإسلاميّة.
العلاقة التي كانت تربط الغزالي بـ تنظيم البنا كانت غامضة إلى حدّ ما. فمن جهة رفضت في البداية انضمام حركتها السيدات المسلمات») إلى لواء الأخوات المسلمات بقيادة الإخوان، لكنّها ومن جهة أخرى كانت تُكنّ للإخوان والبنا المودة الكبيرة، وتعتبرهم الصوت الوحيد حالياً لتمثيل رسالة الإسلام، كما عبرت عن ذلك في كتابها: «أيام من حياتي»: «سيدي الإمام حسن البنا زينب الغزالي الجبيلي تتقدم إليك اليوم وهي أمة عارية من كل شي إلا عبوديتها لله وتعبيد نفسها لخدمة دعوة الله، وأنت اليوم الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يبيع هذه الأمة بالثمن الذي يرضيه لدعوة الله تعالى. في انتظار أوامرك وتعليماتك سيدي الإمام». لهذا، لم تتباطأ بإعلان «البيعة» أمام المرشد العام للإخوان: «اللهم إني أبايعك على العمل لقيام دولة الإسلام وأرخص ما أقدم في سبيلها دمي، والسيدات المسلمات بشهرتها. فقال (أي البنا): وأنا قبلت البيعة وتَظلّ السيدات المسلمات على ما هي عليه» (أيام من حياتي). لكن أغلب الظن رغم هذه البيعة، أنّ عدم إدراج جمعية السيدات المسلمات تحت لواء الإخوان، هو بسبب تشدّد زينب للمحافظة على شخصيتها الاستقلالية، حيث كانت تتمتع بسلطة كاريزمية حتى على زوجها وأبيها. والدليل على ذلك موافقتها أن تصبح عضواً فاعلاً في الأخوات المسلمات، لكن بصفتها الشخصية، وليس بصفتها المسئولة عن جمعية السيدات المسلمات.
في الواقع، ما قدمته زينب للأخوات المسلمات، كان بمثابة الحاضنة الإيديولوجية التي يجب أن ترتكز بمقتضاها المرأة المسلمة. لقد أعادت تجديد الخطاب النسائي، وإدراجه لأول مرة في ساحة السياسة والمناداة بتطبيق الدولة الإسلاميّة. وربما تجدر الملاحظة أنّه مع نشوء كل أصولية، تنشأ معها ظواهرها التي تكرّس خطابها لها وتمنحها الشرعيّة وسط الهرم الاجتماعي. ظهور الأخوات المسلمات يمكن أن نسحبه ضمن هذا المنظور.
 لهذا، يمكن اعتبار زينب الغزالي هي الوجه الأصوليّ الآخر لسيد قطب، لكن مع حفظ الدرجات بخصوص الفاعلية وكثافة الإنتاج الإيديولوجي. بل هي نفسها كثيراً ما اعترفت بتأثيره عليها؛ حتى أنّ سيد قطب حينما كتب كتابه الشهير «معالم في الطريق» من داخل السجن وبعثه للإخوان والأخوات، أصبح الكتاب بعدئذ فعلاً «معالم للإخوان» والأيقونة المقدسة لهم. تروي زينب عن حسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة (والذي يُزعم أنه «معتدل») بأنه ذكر عن الكتاب: « لقد قرأته وأعدت قراءته وأعدت قراءته، إن سيد قطب هو الأمل المرتجى للدعوة الآن» (أيام من حياتي). لهذا ليس غريباً من السيدة زينب تكرير المفردات وجمل سيد قطب نفسها. تقول زينب متهمة النظام السياسي بأنه: «عالم البشر التائه في سرادب الجاهليّة». حتى النساء النسويات») لم يسلمن من سلاطة لسانها، واصفة إياهم ممن تحررن بأنهنّ «قطيع»: «ذلك القطيع من عالم المرأة المسكينة التي يقال لها إنها تحررت، فصارت عبداً للشهوات والأهواء وأصبحت الجريمة حرفتها فأغرقتها، فنسيت إنسانيتها وطهرها وعفافها ومكارمها، فغدت حيواناً لا يعرف معنى للحياة إلا لشهوة الفم والفرج!!» (أيام من حياتي). لهذا، نؤكد أنّ خطاب زينب كان متجاوزاً، من الناحيّة الأصولية النسائيّة،  بنحو كبير لما قدمته السيدة لبيبة.
هل نحن نواجه بهذه النسائيّة الإسلاميّة، أسلمة لقضية المرأة؟ بالمعنى الدقيق للعبارة ليست أسلمة، بل إعادة أسلمة، لا تقتصر عليها وحدها فقط، بمقدار ما هي إعادة إنتاج للتراث الذكوري، بمفردات نسويّة حديثة؛ لكن استخدام مفردات نسويةّ بمنهج أصوليّ. هل مرة أخرى يدعونا هذا لأن نطلق على «الأخت زينب» بأنها «نسويّة»؟.
السيدة مارغوت بدران لا تتباطأ باتهام العلمانيين الذين يقولون بتعارض «النسويّة العلمانية» مع «النسوية الدينية»، بأنّ عندهم: «نقص معرفة تاريخية، أو في بعض الحالات عندهم محاولة تحريضية سياسية لمنع المناضلات عبر النساء» (١٧) (!!). إلا أنّ السيدة مارغوت، وهي التي تشرعن وتدافع بقوة عن هذه النسوية الإسلاميّة، تتجاهل، ليس فقط التناقضات الإبستمولوجية في الاصطلاح، بل أيضاً تتجاهل الثيمات الأصولية التي تقف على أرضها النسوية الإسلاميّة. بماذا يمكن الإجابة على أحد هذه النسويات، حينما تقرّر أنّ الإسلام هو المرجع الأول والنهائي لتحديد حقوقها، ومكانتُها لن تحدّده إلا الدولة الإسلاميّة بألف ولام العهد؟  تصرح النسويّة الإسلاميّة (؟) زينب الغزالي: «المسلمون لا تغريهم المناصب، ولا يشتركون في حكومات علمانية إلحادية. ومركز المرأة المسلمة يوم تقوم حكومة الإسلام ستقرره الحكومة الإسلاميّة». زينب هي التي وضعت هذه النسويّة في العالم العربي على محكّ الإسلام السياسي، بمعنى هي التي صاغت إيديولوجيّة «النسائيّة الأصوليّة».

المرأة عند «الأخت زينب» بالرغم أنّه يجب أن تكون مجاهدة سياسية تنادي بالدولة الإسلاميّة، إلا أنّ هذا لا يجب أن يُغفِلها عن وظيفتها الأساسية، وهي أنّ مكانها الأصليّ هو البيت كـ أم وزوجة: «الإسلام لم يمنع النساء من المشاركة النشطة في الحياة العامة، لكن بشرط أن لا يتداخل ذلك مع وظيفتها الأساسية كـ أمّ، تدرّب أبناءها على الدعوة الإسلاميّة. لذا وظيفتها الأولى، والمقدّسة، والأشد أهمية أن تكون أمّاً وزوجة. إنها لا تستطيع تجاهل هذه الأولويّة» (١٨). هذا النفس الديني الإخواني هو نفسه تقريباً الذي ذكرناه آنفاً عن حسن الهضيبي، المرشد الثاني للإخوان المسلمين. لقد كان من أسس عملها: «الدعوة إلى الإسلام وتجنيد الرجال والنساء شباباً وشيباً لاعتقاد رسالته وإقامة دولته الحاكمة بما أنزل الله» (أيام من حياتي). لهذا، حينما استعرت المعركة حول حلّ جماعتها رفضت ذلك شارحة السبب: «ونحن –السيدات المسلمات – نرفض قرار الحلّ، وليس لرئيس الجمهورية – وهو ينادى صراحة بعلمانية الدولة- حق الولاء علينا، ولا لوزارة الشئون الاجتماعية كذلك. وليست الدعوة أموالاً أو حطاماً تصادره حكومة العلمانيين المحاربين لله ولرسوله وللأمة المسلمة» (أيام من حياتي).

قراءة الجزء 3 هنا
Previous Next

Comments

 

Leave a reply

This blog is moderated, your comment will need to be approved before it is shown.

Scroll to top